الأمومة

تأنيب ضمير الأمهات: بين الواقع والتوقعات

من المثير للإهتمام بأن مشاعر مثل “الإحساس بالذنب” أو “تأنيب الضمير” تتأثر تأثرا بالغا بالبنية الإجتماعية للأفراد. فهناك توقعات تُحَمَّل ثِقَلُها الأمهات -تحديدا- فحديثنا عن الأمهات هنا-ومن قبل المجتمع والأسرة ووسائل الإعلام وحتى المؤسسات المختلفة كالتعليم والصحة.

فما الذي يجب أن تفعله الأم؟ هل عليها أن تعود للعمل بعد الولادة؟ هل عليها أن تمارس الرضاعة الطبيعية أم لا؟ هل عليها أن تخرج أم لا؟ هل عليها أن تحمل بطفل آخر أم تكتفي بما لديها من أبناء؟ هل عليها بأن تربي بهذه الطريقة أو تلك؟ هل عليها أن تأخذ وقتا لنفسها أم لا.. الخ..

يبدو وكـأن هناك عدسة مكبرة موضوعة على الأمهات تحديدا لمراقبة خط سيرهن.

وبينما يتم مراقبتها بهذه العدسة، هناك حبل غير مرئي لكنه عريض جدا يتم لفها به وبإسم: تأنيب الضمير.

هل مشاعر تأنيب الضمير بمجملها سيئة؟

لا..فقد تعمل مشاعر تأنيب الضمير على إصلاح أو منع حدوث سلوك قد يسبب ضرراً للآخرين. إذاً هي مشاعر موجودة لصالح العلاقات الإنسانية. يشعر الفرد الذي قام بسلوك ما بالعار والذي بالتالي يصاحبه تأنيب الضمير. وهي مشاعر نابعة بالأساس من ذواتنا، تتحكم فيها أدمغتنا.

بل وتشير بعض الدراسات إلى أن تأنيب الضمير لدى الوالدين يساعد على منع الأفعال الضارة والإهمال في التربية. لذا فمشاعر تأنيب الضمير وسيلة تكيف لمساعدتنا في الإبقاء على الأبناء بصحة جيدة وحال أفضل. فهذه الدراسات تقول بأن تأنيب الضمير الذي نمر به يساعدنا على التعاطف.

لكن كيف نحدد ما هي المواقف التي علينا أن نشعر نحوها بتأنيب الضمير أم لا؟ وما الذي يحدد مقدار تأنيب الضمير الكافي لمساعدتنا بدون ضرر ولا ضرار؟.

نتفق جميعنا -مثلا- بأن إيذاء شخص أمر بالغ السوء. ولا نختلف على ذلك. فالضرر واضح والتعدي على حق الطرف الآخر في الشعور بالأمان قد انتُهِك. لكن من الصعب بأن نقرر أنه في اللحظة التي تنجب امرأة ما طفلها فإن على محرك تأنيب الضمير أن يتحكم بها لتدور كل قراراتها في فلك هذه المشاعر.

فمن يحدد بأن قرارا معينا تتخذه أو أمرا ما تقوم به هو ضار ما دام لم ينتهك شعور الأمان لدى الطفل ولم يضره جسديا وعاطفيا؟

هنا سأحلل الموضوع بشكل مبسط ، ترى الكثير من المجتمعات بأن دور تربية الأبناء هو دور الأم فقط لا غير أو أنه يقع على عاتقها بدرجة أكبر من الأب. ففي اللحظة التي تفكر الأم بالعمل فقد يفسر في هذه المجتمعات إلى كونه خروج عن دورها. وهنا يتم اتهامها مثلا بالإهمال والأنانية، أو قد لا يتم اتهامها بأي شيء وبشكل مباشر، لكن قد تفتقد للدعم لجعل رحلة عودتها للعمل سهلة ميسرة أو لقيامها بأمور مختلفة. فلا تحصل على الدعم الأسري أو المجتمعي أو المؤسساتي لتيسير وضعها بالبيت أو وضعها بالعمل. فلا تعينها أسرتها في التربية ولا تعينها المؤسسات المختلفة على العودة لممارسة ما تود أن تمارسه وهكذا. ومع ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها، تشعر الأم عندها بأنها مقصرة في حق أبنائها وفي دورها كأم.

فهي عندها أمام خيارين : أن تساير مشاعرها وما يفرض عليها “والموجه الأول هو تأنيب الضمير” أو أن تمارس ما تود ممارسته “مع تحمل ثقل اللوم وتأنيب الضمير”. وكلاهما مر.

وذلك ينطبق على مختلف الظروف. سواء كان الأمر متعلقا بالدراسة أو العمل أو الإستقلالية أو حتى الخروج للذهاب للصالون أو الرياضة أو شرب كوب قهوة.

وينطبق أيضا على قرارات متعلقة بالطفل، أكله ساعات نومه لباسه لغته الخ. كلها أدلة تضاف لقائمة طويلة تشعر الأم عندها بتأنيب الضمير أو العار.

والمؤسف أنها دوامة تستمر ولا تتوقف. هناك دائما ما ينجح في إغراقها في الشعور بتأنيب الضمير مما تفعله. فلا مخرج ولا مُنجي من هذه الدوامة. ولنفرض أن الأم رضخت فعلا لكل تلك الضغوطات، هل ستتخلص من مشاعر تأنيب الضمير؟ لا للأسف فهناك دائما سبب مقنع للوم الأم على تقصيرها. فيكفي أن “يأكلها ضميرها” بأن يقنعها بأن أيا كان ما تقوم به فهو غير كافٍ أبداً.

لذا تأنيب الضمير المبالغ فيه والتي تعاني منه الأمهات معظم الوقت بنى اجتماعي. بمعنى قد تشعر أم في مجتمع ما بتأنيب ضمير لأنها ذهبت لجارتها لعشر دقائق وتركت طفلها. بينما تشعر واحدة أخرى به عندما تقرر العمل لعشر ساعات في اليوم بدلا من سبع ساعات. قد تلاقي احداهن توبيخا إن أعطت ابنتها شوكولاتة وقد تؤنب أخرى لأنها تركت ابنها يلعب في بيت جيرانهم وهكذا.بل وقد تقابل بالإنكار على أمر ما في بيئة معينة وعلى التصفيق لذات الأمر في بيئة أخرى.

هي مشاعر تجاوزت الشعور الطبيعي الذي ينتاب الإنسان المتعاطف، ليصبح ثقل لا معايير معينة له. ولإضافة المزيد من الضغط على الأمهات يتم اعتبارهن أفرادُ لا يخطئون أو من المفترض بأن لا يخرجن من صورة معينة وذلك وصف يعطي الأمهات هالة القداسة ويشكل عبئاً آخر عليهن.

فكما ترون، هذا الشعور مخصص للأمهات لذا يعرف ب mom’s guilt. قد يصيب الآباء لكن بدرجة أقل كما تشير الدراسات. لننظر إلى السيناريو التالي:

أب ينهض في منتصف الليل ليرضع رضيعه. هو أب مثالي رائع بالتأكيد.

أم تنهض في منتصف الليل لترضع رضيعها. هذا دورها ولا شيء مميز في ذلك.

أب يترك رضيعه يبكي وهو نائم: أين أمه، الأكيد أن لديه عمل في الصباح الباكر.

أم تترك رضيعها يبكي وهو نائم: أم قاسية. علينا أن نضغط على زر “تأنيب الضمير” إذاً.

الأحكام القاسية التي قد تعاني منها الأمهات هي ما تشكل حجم شعورها بتأنيب الضمير. ولا توجد معايير ثابتة لإستخدام ورقة الضغط: تأنيب الضمير. فمثلما ذكرت سابقا، هي تتأثر بالمجتمع فقط وما يشعرك بتأنيب الضمير في بيئة ما قد يتم التصفيق لك وتشجيعك عليه في بيئة أخرى.

لذا قد يفيدك محاولة تحكيم ضميرك بمعزل عن المجتمع. وقد لا ينجح دائما لكن على الأقل ستكونين واعية بأنها معايير غير ثابتة وقد تؤذينا في الكثير من الأحيان. فلنحاول النظر إلى ظروفنا الشخصية. فما دمتِ شخصا مدركاً أنك لا تضرين أبنائك ولا تضرين ذاتك ، فأنت -على الأرجح- بخير.

المراجع:

https://www.healthline.com/health/parenting/mom-guilt#definition

https://www.researchgate.net/publication/230796725_Maternal_Guilt

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s